السيد محمد الصدر
208
منة المنان في الدفاع عن القرآن
أقول : ينبغي أن نسلِّم بأنَّ الكوثر هو الخير الكثير أو كثرة الخير ، لا بمعنى : ذو الخير الكثير ، وإنَّ صحَّ ذلك مجازاً ، وإلّا فسوف يسقط تفسير الآية ؛ إذ يكون المعنى : إِنا أعطيناك ذا الخير الكثير ، وهو ممّا لا محصّل له إلّا على بعض التفاسير الشاذّة ، بأن يُراد من الكوثر المصدر ، ويسند إلى الرجل تجوّزاً ، كما يُقال : زيدٌ عدلٌ ، أي : ذو عدل أو متّصفٌ بالعدل ، فنحتاج إلى التقدير ، وهذا هو الاشتباه الذي وقع به الرازي . والكوثر يمكن أن يكون بمعنى المصدر ، وأن يكون بمعنى اسم المصدر ، والفرق بينهما - كما أشرنا في درس الأصول « 1 » - أنَّ المصدر عبارة عن المعنى حال كونه ملحوظاً متحرّكاً ومستمرّاً ، واسم المصدر عبارة عن المعنى حال كونه ثابتاً قائماً بنفسه . فالخير الكثير يمكن أن يلحظ ثابتاً مفهوماً ، فيكون اسم مصدر ، ويمكن أن نتصوّر له معنىً مستمرّاً ، فيكون مصدراً . وعلى ذلك فالكوثر هو الخير الكثير أو كثرة الخير ، وعليه تحمل سائر المعاني التي ذكرت للكوثر ، حتّى أنهاها بعضهم إلى ستّة وعشرين معنى ، كما في ( الميزان ) « 2 » ، وكلُّها مصاديق بالحمل الشايع منه . ومن هنا يتّضح ما ذكره في ( الميزان ) حيث قال : وقد اختلفت أقوالهم في تفسير الكوثر اختلافاً عجيباً ، فقيل : هو الخير الكثير ، وقيل : نهرٌ في الجنّة ، وقيل : حوض النبي ( ص ) في الجنّة أو في المحشر ، وقيل : أولاده ، وقيل : أصحابه وأشياعه إلى يوم القيامة ، وقيل : علماء أُمّته ، وقيل : القرآن وفضائله كثيرة ،
--> ( 1 ) موسوعة الإمام الشهيد ، المجلّد : 20 ، منهج الأصول 131 : 4 ، مبحث المرّة والتكرار . ( 2 ) الميزان في تفسير القرآن 370 : 20 ، سورة الكوثر .